محمد الريشهري
2157
ميزان الحكمة
وغيرهما فلله سبحانه أعلى ذلك الوصف وأرفعها من مرتبة تلك الموجودات المحدودة ، كما قال : * ( ولله الأسماء الحسنى ) * ( 1 ) . وذلك أن كل وصف من أوصاف الكمال اتصف به شئ مما في السماوات والأرض فله في حد نفسه ما يقابله ، فإنه مما أفاضه الله عليه وهو في نفسه خال عنه ، فالحي منها ميت في ذاته ، والقادر منها عاجز في ذاته ، ولذلك كان الوصف فيها محدودا مقيدا بشئ دون شئ وحال دون حال . . . وهكذا ، فالعلم فيها مثلا ليس مطلقا غير محدود بل محدود مخلوط بالجهل بما وراءه ، وكذلك الحياة والقدرة والملك والعظمة وغيرها . والله سبحانه هو المفيض لهذه الصفات من فضله ، والذي له من معنى هذه الصفات مطلق غير محدود وصرف غير مخلوط ، فلا جهل في مقابل علمه ، ولا ممات يقابل حياته . . . وهكذا ، فله سبحانه من كل صفة يتصف به الموجودات السماوية والأرضية - وهي صفات غير ممحضة ولا مطلقة - ما هو أعلاها ، أي مطلقها ومحضها . فكل صفة توجد فيه تعالى وفي غيره من المخلوقات فالذي فيه أعلاها وأفضلها ، والذي في غيره مفضول بالنسبة إلى ما عنده . ولما كانت الإعادة متصفة بالهون إذا قيس إلى الإنشاء فيما عند الخلق فهو عنده تعالى أهون ، أي هون محض غير مخلوط بصعوبة ومشقة ، بخلاف ما عندنا معاشر الخلق ، ولا يلزم منه أن يكون في الإنشاء صعوبة ومشقة عليه تعالى ، لأن المشقة والصعوبة في الفعل تتبع قدرة الفاعل بالتعاكس ، فكلما قلت القدرة كثرت المشقة ، وكلما كثرت قلت ، حتى إذا كانت القدرة غير متناهية انعدمت المشقة من رأس ، وقدرته تعالى غير متناهية فلا يشق عليه فعل أصلا وهو المستفاد من قوله : * ( إن الله على كل شئ قدير ) * فإن القدرة إذا جاز تعلقها بكل شئ لم تكن إلا غير متناهية ، فافهم ذلك ( 2 ) . [ 2971 ] الدليل الرابع لاثبات المعاد الكتاب * ( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شئ قدير ) * ( 3 ) . * ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) * ( 4 ) . * ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) * ( 5 ) . التفسير : قال العلامة الطباطبائي في تفسير الآية الأولى : والمراد بقوله : * ( إن ذلك لمحيي الموتى ) * الدلالة على المماثلة بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى ، إذ في كل منهما موت - وهو
--> ( 1 ) الأعراف : 180 . ( 2 ) تفسير الميزان : 16 / 175 . ( 3 ) الروم : 50 . ( 4 ) فاطر : 9 . ( 5 ) الأعراف : 57 .